رقصة مثيرة للنقاش في تونس ...أيّة مفارقة؟



رقصة مثيرة للنقاش في تونس ...أيّة مفارقة؟

فجاة ظهرت قضية جديدة للرأي العام تتمثل في تنظيم عرض راقص في معهد بالعاصمة ثم انتشرت الظاهرة في عدد آخر من المعاهد ...واصبح الموضوع من انظار وزارة التربية والنقابات والمحطات الاذاعية والتلفزية ...وانقسم المجتمع التونسي بين مناصر لهؤلاء التلاميذ والتلميذات الذين يرفهون عن انفسهم في ساحات المعاهد حسب رأي المناصرين لهذا السلوك  ...وبين من يعتبرون رقصة "هارلم شايك "  مظهرا مخلا بالآداب ومخالفا للقوانين المدرسية لانه " نشاط حدث دون اطار ينظمه على الاقل " ...
شاهدت في نفس السهرة مقاطع من برنامجين مختلفين حول قضيتين شغلتا الراي العام التونسي – مع الفارق في الدرجة – لكن الموقف المسجل حول الحادثتين يبرز مدى فداحة ازمة الثقة التي يتم تغذيتها في المجتمع...
المشهد الاول يهم التعليق على الندوة الصحفية لوزير الداخلية في حكومة تصريف الاعمال ورئيس الحكومة المكلف المتعلفة بالقاء القبض على اربعة من المشتبه بهم في اغتيال المعارض السياسي البارز شكري بلعيد وهي آراء من باب  "الموقف السياسي المحسوب " الذي يطغى على سلوك النخبة التونسية ...لان المطالبة بكشف الحقيقة كاملة حول من يقف وراء عملية الاغتيال...ومن خطط ومن دبّر ومن موّل ...ومن هي الجهات المتسترة او المتواطئة وما هي الاطراف الخارجية المحتملة ... امر وجيه وشرعي ويطالب به كل تونسي نزيه... كل المطالب التي تصب في هذا الاتجاه شرعية لا جدال فيها ولكن اعتبار القاء القبض على مجموعة شاركت في تنفيذ الاغتيال  "مجرد مسرحية " يبدو امرا غريبا – حسب رأيي – لان الاعلان عن ايقاف المشتبه بهم  اجراء من شأنه طمأنة المواطن أوّلا لا سيما وان بلادنا مفتوحة رغما عنها لقوى عالمية تسعى للتّأثير فيها  ...ان يتوصل المحققون الى وجود ادلة اولية على الجريمة هذا امر مهم في مسار معرفة الحقيقة ..وان يتم ايقاف مشتبه بهم فهذه خطوات متقدمة في قضية اغتيال سياسي خطيرومؤلم وله تأثيرات عميقة على الوضع التونسي غير المستقر بطبعه في المرحلة الانتقالية الحالية ...
المشهد الثاني يهم التعليق على رقصة "هارلم شايك" في احد المعاهد القريبة من مسرح جريمة اغتيال الناشط السياسي والحقوقي شكري بلعيد ...وهذا التقارب في الجوار بين الحادثتين ( المنزه – تونس) يلخص عمق الصراع الايديولوجي الحاد الذي ظهر جليا منذ الحملة الانتخابية وتعاظم بعدها وهو يتناقض مع مذكرات التفاهم بين الاسلاميين والعلمانيين المضمنة في وثيقة 18 اكتوبر 2007
 تناول البرنامج التلفزي  الحادثة – التي تحولت الى ظاهرة في عدد من المعاهد – ولعل ما لفت انتباهي هو دفاع احد السياسيين وهو نائب في المجلس التأسيسي عن رقصة "هارلم شايك " في ساحة معهد ثانوي معتبرا ذلك نوعا من الترفيه عن النفس الذي يحتاجه التلاميذ .....وعاب على وزير التربية اهتمامه بالموضوع ودعاه الى الاهتمام بأمور أخرى تشغل الرأي العام ...ولاحظت لاحقا ان هذا الموقف المساند للرقص في المعاهد "خارج النوادي" ودون تأطير من المشرفين كان واضحا لدى نواب آخرين في المجلس الوطني التّأسيسي في محطات تلفزية أخرى مصحوبا بتهكم على وزير التربية ...
عادت بي الذاكرة الى ربيع 1992 ...كان النظام السابق قد انهى ما سمي بقضية "مؤامرة براكة الساحل " ( ماي 1991) ومزهوا منتعشا بايقاف المسار الانتخابي في الجزائر (جانفي 1992)الذي قطع الطريق على فوز محتمل للجبهة الاسلامية للانقاذ الجزائرية ...تمت دعوتي لحضور اجتماع لاسرة التربية والتعليم في احدى ولايات الجنوب الغربي ويشرف على هذا الاجتماع الوزير المستشار برئاسة الجمهورية ...
كان الحاضرون من المشتغلين في قطاع التربية والتعليم واستمعوا الى الخطاب ثم فُتِح باب النقاش ...تناول أحد المتدخلين موضوع لقطات الاشهار التلفزي في التلفزيون العمومي واشار الى انها تتركز على مشاهد الرقص وبالتالي فانها تتعارض مع هويتنا العربية الاسلامية وتجد العائلات التونسية حرجا في متابعتها...
ساد الصمت وطال انتظار الحاضرين ليستمعوا الى رد عضو الحكومة حول هذه الملاحظة التلقائية ...الى ان جاء تحليله بصفة اجمالية يشير الى ما يلي : " عندما يقف شاب اوفتاة ليرقص - وسط العائلة  وبحضور الوالدين - على انغام الموسيقى فليس في ذلك اية مشكلة بل يندرج ذلك في اطار الاعتزاز بالهوية العربية الاسلامية "
بعد سنوات من "الاستئصال "جاءت "الحضرة "ذلك المشهد الذي يختلط فيه كل شيء بالرقص ( وما يزال هذا العرض مفضلا في التلفزيون العمومي الى اليوم )...ولعل فلسفة المخرجة التي اشرفت على اعداد هذا العمل الفني يمكن ان تفسّرلنا  حدث رقصة "هارلم شايك" حيث قالت هذه المخرجة  آنذاك " كلّما زادت مساحة الرقص نقصت مساحة التطرف الديني " ...أي ان الرقص في هذه الحالات ليس فنّا وليس ترفيها وليس ابداعا ولكنه أداة صراع ايديولوجي مدروسة ..
ظلت المساحة المخصصة للترفيه مساء السبت ومساء الاحد "منوعة راقصة "منذ عقد طيلة قبل الثورة واستمرت بعدها الى يوم الناس هذا ...وان كان الامر يخفي وراءه اهدافا مجتمعية فان التونسيين ألفوا ذلك وكما قال عبد العزيز العروي في رده على احد منتقديه " بيني وبينك فلسة (زر) لغلق المذياع اوتغيير المحطة ...الا ان تنظيم حفلات هارلم شايك يبدو عملا مدروسا ومخططا من بين اهدافه تفجير مزيد التناقضات في المجتمع التونسي  ...وان دفاع بعض السياسيين والنقابيين يبدو انه يتجاوز المفاهيم المعتادة حول الرقص كفن من الفنون او كهواية من الهوايات او سلوك  فردي يجد فيه الشخص تنفيسا له ...لان الموضوع مختلف ...فهوفي اعتقادي  يتعلق بقضايا العولمة ومدى استعدادنا للاستفادة منها
مع المحافظة على خصائص الهوية المتفق عليها في انتظار حوار قد يأتي ...
*********
ان الله جميل  يحب الجمال ...ورد في حديث نبوي شريف رواه الامام مسلم ...يثبت ان الفن ضروري للانسان من وجهة النظر الاسلامية ...ولكن القيام برقصات من نوع خاص في ساحات المعاهد ادنى ما يقال فيه " نشاط خارج اطار النوادي الثقافية بالمعاهد " وأقصى ما يقال فيه هو " محاولة فرض مشروع غريب عن المجتمع " ... لقد تم وضع العربة امام الحصان  كاستباق لاي حوار هادئ ومنعا لاي تقييم موضوعي للمنظومة التربوية يكون مقبولا من جميع الاطراف  ...يهدف ا المشهد الى احداث القطيعة بين المكونات حتى يستحيل الوفاق في المسائل التربوية...اننا نأمل ان تلتزم جميع الاطراف بحياد المؤسسة التربوية وعدم توظيفها في الصراع الايديولوجي واحترام القوانين الجاري بها العمل الى أن  تحين مراجعتها