الوطن فوق الأحزاب وقبل النّقابات: المهمّة «الثّورية » للمجلس الوطني التأسيسي



مقال منشور في العدد 29 – من مجلة الاصلاح – الالكترونية – 03-05-2013

الموقع الالكتروني ww.alislahmag.com
الوطن فوق الأحزاب وقبل النّقابات:

المهمّة «الثّورية » للمجلس الوطني التأسيسي

بقلم : إسماعيل بوسروال

مقدّمة
تسلّم المجلس الوطني التأسيسي المنتخب بنزاهة وشفافية  مهامه من "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثّورة والانتقال الديمقراطي" المعّينة بطريقة توافقية ...وأُوكلت للمجلس التأسيسي مهام إدارة المرحلة الانتقالية الثّانية بكل متطلباتها من تكوين حكومة ومراقبة عملها وانتخاب رئيس للجمهورية وانجاز تشريعات تقتضيها أوضاع البلاد الى جانب المهمة المركزيّة المتمثّلة في انجاز دستور جديد للجمهورية التّونسية يعوّض الدّستور الذي أنجزه المجلس القومي التّأسيسي سنة 1959 والذي طرأت عليه تحويرات عديدة في العهدين البورقيبي والنّوفمبري وخاصة تحويري  1974 و 2002 اللذين مسّا روح النظام الجمهوري و أفقدا "الدستور" وظيفته التعاقدية بين الشعب والحاكم وحوّلاه إلى أداة يستخدمها الحاكم حجّة له لإرساء نظام وراثي ...ولم يعد الدّستور حجة على الحاكم يحدّ من سلطاته ويجعله وفق ما انتخبه الشعب له .
الأحزاب والمجلس التأسيسي :
تواجدت الاحزاب التونسية في المجلس التأسيسي ومنذ البداية انقسمت الى "ترويكا حاكمة " و"معارضة " وانفصل الائتلاف الذي تجسّد في وثيقة 18 اكتوبر 2007 بين القوى الديمقراطية ( الحزب الاشتراكي التقدمي ) واليسارية ( حزب العمّال ) والاسلامية  ( حركة النهضة )
 لاحظ المتابعون  باندهاش تصريحات عنيفة لقادة التقدمي تجاه النهضة ( قبل الانتخابات ) في مشهد غير مبرّر بين"رفاق الأمس "...ولكن هذا الخطاب العنيف تواصل بحدّة داخل المجلس الوطني التأسيسي وشكّل بالنسبة للمتابعين  لغزا غير مفهوم ‘ذ أنّه و‘ن كان من حق اي حزب أن يتّخذ مواقفه وفق قناعاته وله كامل الحرّية في تغيير تحالفاته لكن التحول الكبير في الموقف أربك القواعد الشعبية للديمقراطي التقدمي لقد كانت الحرب الكلامية  بين التقدمي والنهضة امرا مساهما في رفع التوتر بدل خفضه ...وهو ما شكّل عامل سوء تفاهم مزعج للطرفين ...وربما كانت نتائج سبر الآراء التي سبقت الانتخابات والتي كانت تمنح الحزب الاشتراكي التقدمي نسبة هامّة من المقاعد بنى عليها قادة الحزب تصريحاتهم ...ولكن ربما كان لطموح أبرز مؤسسيه إلى كرسي الرئاسة دور في المواقف المتّخذة ...
بعد انتخابات 23 اكتوبر لاحظ المتابعون  إعادة ترتيب أوضاع الأحزاب اليسارية وتجميع قواها في جبهة واحدة ( الجبهة الشعبية ) وبناء استراتيجيتها على عاملي "الشارع " (المظاهرات – الاعتصامات) ... و"المنظمة النقابية "(الاضرابات ) بما خلق مناخ احتقان في عديد القطاعات وفي عديد الجهات وبلغت أوجها في تعطيل انتاج الفوسفاط بقفصة والمجمع الكيميائي بقابس  في أحداث سليانة التي تابع الناس اصرار احزاب اليسار واتحاد الشغل ورابطة حقوق الانسان على ضرورة عزل الوالي ربّما  لخصومة حدثت بين موظفين في الولاية أو لمجرّد تمسّك رئيس الحكومة به وهو سلوك أرادت أن  تمارسه النخبة السياسية والنقابية في تونس ربّما كأداة لإحراج الحكومة المؤقتة ودفعها الى ارتكاب تجاوزات تكون نقاطا لفائدة المعارضة في الانتخابات القادمة  .
الحركة  النقابية بعد الثورة
اما المنظمة العتيدة الاتحاد العام التونسي للشغل فانه بعد مؤتمر طبرقة مارس "الدور السياسي والنقابي في آن واحد " وإن كان الامر ليس جديدا فقد تكرر ذلك عبر التاريخ في المحطات الهامة التي يرى  فيها الاتحاد أهمية الموقف السياسي وأثره في حاضر البلاد ومستقبلها ولكن من وجهة نظري إن إنجاح  الانتقال الديمقراطي كان يقتضي – ما زال -  " تفاهما ضروريا و صريحا " بين  الطرف الحكومي والمنظمة النقابية على توفير المناخ الملائم للعمل والإنتاج وإقرار حالة من الامن الاجتماعي والسياسي تضمن إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة في آجال معقولة ووفق معايير دولية يطمئن إليها الجميع .
وقد تابعتُ محطة "الحوار الوطني " التي دعا اليها الاتحاد العام التونسي للشغل وهي بادرة ايجابية ولكن ...أقول جيدا "ولكن " لم يقع الانفتاح المطلوب ليكون "الحوار وطنيا حقّا وذلك من خلال ثلاثة عناصر رئيسية وهي أوّلا إعداد مضمون الحوار من طرف واحد ...وقد قرأت بإمعان البنود الواردة  في برنامج الحوار الوطني الذي دعا إليه الإتحاد العام و وكان من المتأكّد أن تناقش من قبل هيئة إعداد تمثّل مختلف الفرقاء لضمان حد أدنى من الفهم المشترك للموضوعات المطروحة وذلك  قبل البدء في جلسات الحوار وثانيا التحكم في تحديد الاطراف المشاركة من خلال استبعاد الاحزاب اليمينية كجبهة الاصلاح وحزب التحرير حتّى من باب إقامة الحجة على من يرفض الحوار وكان الموقف يقتضي انفتاح "المنظمة النقابية " على الآخر مهما كان توجهه الايديولوجي  " رغم اختلافي معه" ما دامت المسألة تتعلق بـــ"حوار وطني " حيث بدت كأن "الحوار الوطني " هو حصار لجهات معينة تهدد المجتمع حسب بعض المقولات ....أمّا العنصر الثالث في إفشال مبادرة الحوار الوطني التي دعا إليها الاتحاد هو "إغفال مجلس وطني تأسيسي منتخب " تقتضي الحكمة التنسيق معه والخروج بتصوّر يدعم ثقة المجلس في جهد المنظمة النقابية ويقبل التعامل مع مبادرة الاتحاد دون أن تكون بديلا عنه ودون أن تمنعه من ان يقوم بدوره ...وفي النهاية لم تقبل "النهضة " والمؤتمر " المشاركة في مبادرة الاتحاد إن أعلنا ان السبب يعود إلى مشاركة " نداء تونس " فإنها لم تكن السبب الحقيقي حسب رأيي - إذ هما الآن معه في حوار وطني بإشراف مؤسسة الرئاسة  ...وفي اعتقادي ان سبب لمقاطعة النهضة والمؤتمر مرتبط بانهما سيجدان نفسيهما "أقلية " في أكثر من أربعين حزبا وجمعية  تحت "خيمة الحوار الوطني " التي تمت الدعوة اليها بصفة انتقائية في حين أنّ النهضة والمؤتمر هما كتلتان رئيسيتان في المجلس التّأسيسي .
أمّا الأداء الحكومي فقد كان مرتبكا حقّا ولم يحقق ما ينتظره منه الناس وقد يعود ذلك الى ما يطرأ داخل الإئتلاف الحاكم .
 فقد عاش حزبان من الترويكا ( التكتل والمؤتمر ) حالة انقسام داخلي و تشظّي وتفتّت ، وأمّا حركة النهضة فقد تحملت جزءا من الحكم دون ان تكون قد أوردت في برنامجها الانتخابي ذي الـــ365 نقطة مسألة ملحة وهي " كيفية ادارة المرحلة الانتقالية سياسيا " وكان البرنامج يتحدث عن أهداف مجتمعية متوسطة وبعيدة المدى في شكل خطة خماسية أو عشرية
المشهد العام بعد عامين من الثورة
لقد طغى الطابع الحزبي الفئوي على عمل الأحزاب السياسية التونسية وطغى أسلوب المناورة والمغامرة على التحركات النقابية من إضرابات واعتصامات والهدف هو هدف حزبي تحكمه رؤيا عدائية – ايديولوجيا - للطرف المقابل وعبّر عن هذا الموقف أكثر من صوت من مختلف الفرقاء
لقد استبدّ الحنق والتوتر بقادة الأحزاب والنقابات والمنظمات المهنية  وانعكس ذلك في المنابر الاعلامية ويمكن القول ان البيئة السياسية التونسية الحالية يمكن وصفها بأنّها بيئة غير سليمة لتنتج بالتالي  وضعا سياسيا واجتماعيا منقسما على نفسه أدّى إلى العنف المادي وتجسّد في الاغتيال السياسي لزعيم حزب الوطنيين الديمقراطيين بما يحوّل الوضع من" تونسيين تفرّهم الآراء " الى " تونسيين يفرقهم الدّم " وهو مشهد مؤلم وله تداعياته المحلية والدولية  التي قد تعصف بالوطن - لا قدّر الله –    .
المجلس الوطني التّأسيسي والمهمة الثورية : إنشاء مؤسسات تمنع عودة الاستبداد
يبقى المجلي الوطني التأسيسي المؤسسة المركزية التي انتخبها الشعب في انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تتحمل مسؤولية تاريخية في تأسيس الجمهورية التونسية الثانية وهذه المهمة التاريخية  تتطلب أساسا ان يكون النواب فوق الاحزاب  وأن يجسّد كل فرد منهم قولا وفعلا  أنه يمثل الشعب التونسي كافة ...
إنّ المهمة الثورية للمجلس الوطني التّأسيسي – حسب رأيي – ليست كتابة دستور فحسب ، بل أن يكتب دستورا ينشئ به مؤسسات تمنع عودة الاستبداد والفساد منعا نهائيا لأن الدستور ليس حبرا على ورق بل قيم انسانية خالدة يلمسها الناس في "نظام الحكم " وفي "أنموذج المجتمع" وفي "الحياة العامة".  
المحكمة العليا حارسة الحريات الفردية والجماعية
ان نظرة شاملة وبعيدة المدى تقودنا الى الاستفادة من الماضي القريب حيث كانت دائما السلطة محتكرة بيد شخص واحد أو عائلة واحدة أوحزب واحد  يرفض مبدا أساسيا من مبادئ الديمقراطية وهو "التداول السلمي على السلطة " من خلال الانتخابات وكذلك الاعتبار من التجارب الانسانية التي عاشتها شعوب أخرى كالثورة الفرنسية او كيفية ولادة نص "وثيقة استقلال أمريكا عن التاج البريطاني  " والمبادئ والقيم التي تضمنتها والاستلهام من القيم الإسلامية في التّآخي والتضامن والعدل واعتبارها جزءا رئيسيا في تربيتنا وثقافنا فتتعزّز الشخصية التونسية بقيم ثنائية المصدر إنسانية و إسلامية   .
  ان اي نظام سياسي  يجب أن يقوم على "مبدإ التفريق بين السلطات الثلاث " وأن يضمن التوازن بين جميع مكونات المجتمع السياسي والمدني بواسطة  " محكمة عليا "... وعلى المجلس الوطني التّأسيسي أن ينشئ  هذه المحكمة العليا قبل إعداد القوانين الانتخابية وقبل إجراء الانتخابات - حسب رأيي -  لأنّها اللبنة الأولى في بناء صرخ شامخ يقوم على العدل ثم العدل ثم العدل ...ان إنشاء المحكمة العليا هو "ضمانة مؤسّسية لعدم عودة الاستبداد سواء بحزب قديم عرفناه قبل الثورة  أو بحزب جديد ظهر بعد الثورة فالمحكمة العليا هي حارسة الحريات الفردية والجماعية .
وإني كمواطن عادي ليست لي أي أهداف تحرّكني الآن سوى أن أبدي رأيا أعتقد أنّه صواب  أن المجلس الوطني التّأسيسي تعامل مع "الهيئات الدستورية "بطريقة غير مفهومة ...إني أحتار لعدم إدراج مجلس أعلى للتربية والتعليم والبحث العلمي كهيئت دستورية لها استقلاليتها الكاملة عن السلطة التنفيذية لتقوم بدور رئيسي في بناء حضارة تونسية جديدة من حيث التخطيط الاستراتيجي للبرامج وعلاقتها بمنوال التنمية  ...أليس من المصلحة الوطنية العليا أن يكون التخطيط التربوي ووضع الخطوط العامة  لمبادئ النظام التربوي وكذلك كبرى المسائل من اختصاص هيئة "فوق الاحزاب " و"فوق النقابات "  غرضها خدمة الوطن ؟ و أحتار لعدم إدراج المجلس الاسلامي الأعلى...أليس من الحكمة أن تكون المسائل الفقهية والتعبدية والخطاب الديني والحياة المسجدية  من اختصاص مؤسسة مستقلة تعمل وفق إطار تونسي عام بعيدا عن أحزاب اليمين وبعيدا عن أحزاب اليسار .
إن المحكمة العليا في أمريكا يتم انتخاب أعضائها مدى الحياة وهي التي فصلت في الخلاف حول نتائج الانتخابات الرئاسية بين جورج بوش الابن وآل غور سنة  2001 عندما انتهت الانتخابات دون إعلان  حاسم عن فائز بالرئاسة إذ قررت محكمة فلوريدا  إعادة الفرز اليدوي لعدد من مراكز التصويت إثر طعن قدّمه الحزب الديمقراطي ...واستمرّ الجدل والانتظار  أيّاما إلا أن "المحكمة العليا " حسمت الموضوع وأعلنت إسم الفائز بدلا من الهيئة الانتخابية ...وهي المرة الأولى في التاريخ الأمريكي يتم فيها عدم إعلان فائز في انتخابات رئاسية من قبل هيئة الانتخابات وتم الالتجاء الى الهيئة القضائية "المحكمة العليا " وهو حسم قبل به الجميع  ونحن نحتاج الى هيئة ترتضي الأحزاب والشخصيات الاحتكام اليها والقبول بقرارتها .
لكي يتحقق انتقال ديمقراطي حقيقي يكون بمثابة "ثورة "في العقول وفي الممارسات إننا بحاجة أكيدة الى أن تكون "تونس " فوق الأحزاب وفوق النقابات ...لبناء مؤسّسات تضمن التعايش والتآخي واحترام القانون .













الأبعاد الإستراتيجية لاغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد

الأبعاد الإستراتيجية لاغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد مميز
الأبعاد الإستراتيجية لاغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد

مقدمة :
المنطقة العربية تحت حكم سلطات الفرد المطلقة قبل الربيع العربي:
كانت المنطقة العربية ترزح تحت انظمة استبدادية طيلة نصف قرن بعد خروج الاستعمار وفي ظل الدولة الوطنية المستقلة ...لم ينعم خلالها المواطن بالحرية السياسية ولا بالعدالة الاجتماعية ولا بالرفاهية الاقتصادية ...انظمة حاكمة تحولت تدريجيا الى شبكة مصالح وعلاقات ....جاءت ثورات الربيع العربي لتنعش الآمال في قيام انظمة تحترم مواطنيها ...وقد نشرت في الموقع الالكتروني لــ "المركز الديمقراطي العربي " وثيقة تحمل عنوان " حقوق الانسان والمواطن في المنطقة العربية " بتاريخ 08/02/2010 اي قبل الثورة التونسية ببضع اشهر وهي مستمدة من تشخيص الواقع التونسي وكيفية بناء نظام ديمقراطي بديل تحتاجه كل المنطقة العربية نظرا للاوضاع المتشابهة.
الثورة التونسية وعودة الامل :
مثلت الثورة التونسية عودة الامل للتونسيين كي يبنوا دولة يحلو فيها العيش ...لا تمنع فيها الكلمة ولا يسلب فيها الحق ولا يخشى فيها الفرد على نفسه ...وذلك بعد الخيبة الاولى التي اعقبت بدء بناء دولة الاستقلال التي حققت الكثير من النجاحات ولا يمكننا ان نبخس رجالها حقهم لان المسائل نسبية ...ولكنها فشلت فشلا ذريعا في "بناء دولة مؤسسات " تقوم على اساس التداول السلمي على السلطة على قاعدة الانتخاب مع ضمان احترام الرادة الحرة للمواطن في الاختيار ...هذا الفشل طبع العهدين البورقيبي والنوفمبري بهيمنة سلطات الفرد المطلقة على جميع اجهزة الدولة مع تاكيد الفارق بين العهدين في النظافة والنزاهة ازاء المال العام .
النخبة التونسية "المتوجسة " واللحظة الفارقة :
تدرجت الاحداث بعد 14/01/2011 بشكل ادى الى الاتفاق على انتخاب المجلس الوطني التاسيسي ...ويبدو ان المسار يؤكد ما سبق تحليله من ان النخبة المثقفة لم تجد في اجهزة النظام ما يجعلها تعتقد انها ازاء دولة مؤسسات لذا كان مطلب اعتصام القصبة 2 يتركز على انتخاب مجلس تأسيسي ...في حين كان ثلاثة من "دينصورات العهدين السابقين " يعدون وثيقة بعنوان "المجلس الوطني للانقاذ " وهؤلاء الثلاثة هم احمد بن صالح واحمد المستيري ومصطفى الفيلالي ...انهم بحكم التجربة ادركوا ان الثورة نجحت بفضل الحماس وان بناء الدولة يتطلب الحكمة والعقل ...ولكن التيارات السياسية والفكرية لم تول للمقترح اهمية وراحت الاحزاب كل في طريق ...من اجل الفوز في الانتخابات ....
الشرعية الانتخابية: المجلس التأسيسي وتشكيل الحكومة :
مثلت انتخابات 23 اكتوبر 2011 محطة تاريخية فاصلة في الحياة السياسية التونسية لانها اول انتخابات تعددية نزيهة و شفافة بشهادة المراقبين المحليين والدوليين ...وبذلك عبّر المواطنون والمواطنون بملء ارادتهم الحرة – دون ترغيب اوترهيب – عن اختيارهم لممثليهم وفاز حزب حركة النهضة بنسبة 42 بالمائة من مقاعد المجلس التاسيسي...مما اعطى تاكيدا على ما يعلقه الشعب التونسي على التيار الاسلامي من قدرة على بناء دولة وطنية تحفظ كرامة التونسيين بما توفره من تنمية وما تخلص المجتمع من مظاهر الفساد العام التي اجتهد النظام النوفمبري في فرضها على السكان ...
الاطار الجيواسترتيجي للانتقال الديمقراطي في تونس:
تشكلت الحكومة الشرعية منبثقة من رحم المجلس التاسيسي القادم من عمق الارادة الشعبية وكان من المنطقي منذ البداية "تشكيل حكومة وفاق وطني " مثلما تقتضيه طبيعة المرحلة ووفق برنامج متوافق عليه يحوي القواسم المشتركة التي يجمع عليها التونسيون ويتم ترحيل المسائل الخلافية الى فترة قادمة حيث تصاغ القوانين وتأجيل التنافس السياسي والايديولوجي الى مرحلة ما بعد اعداد الدستور وتركيز المؤسسات التي تضمن استمرار الدولة والتداول السلمي على السلطة.
لكن صممت على البقاء في المعرضة احزاب شاركت ورعت "وثيقة 18 اكتوبر2007 "وجمعتها بالتيار الاسلامي مواقف عديدة ...ولكن فرقتها هذه اللحظة ...حيث لم تدرك مختلف الاطراف التي نجحت في الدخول الى المجلس التاسيسي حجم الاخطار المحدقة بالبلاد التونسية داخليا واقليميا ودوليا ...فمن الناحية الاستراتيجية لايمكن تصور اللاموقف لمخابرات دول الحلف الاطلسي (ايطاليا/ فرنسا/ المانيا/ امريكا )وكذلك الموساد الاسرائيلي بالاضافة الى عدم ارتياح الجزائر من ثورات الربيع العربي وايضا انزعاج بعض دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة السعودية والامارات ...ان المرحلة التاسيسية في تونس الثورة كان عليها ان تأخذ بعين الاعتبار كل هذه المحاذير.

التيارات اليسارية والنقابية بين حسابات الحقل وحسابات البيدر :
اما داخليا فلم يكن من المنطقي تصور حلول للمطالب الاجتماعية دون خريطة طريق متفق عليها يتم تناولها مع النقابات والمنظمات ...فلا يمكن مثلا ان تنطلق المشاريع الاقتصادية في مناخ يطغى عليه الصراخ والفوضى والاضطراب ...ولا يمكن توقع نموّ الاستثمارالخاص في ابسط اشكاله واللصوص المجرمون يهجمون على صغار الفلاحين ليسرقوا المواشي في الليل وفي النهار ...ويقطعون اشجار الزيتون بثمارها ...في حين يتولى آخرون قطع الطرقات ومنع المصانع وبالتالي ايقاف شريان الحياة .
تعزز انخرام الوضع الداخلي في تونس بصعود مكتب تنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل يتكون من نقابيين ينتمون الى التيارات اليسارية – باستثناء أربعة - وهو مكتب تنفيذي منتخب بصفة نزيهة وشفافة له الشرعية التي يتمتع بها المجلس التاسيسي والحكومة ...ولكن تصريحات بعض اعضائه كانت ذات طابع حزبي بحت ...وتحول من الدفاع عن حقوق الشغالين الى برنامج الاحزاب الداعية الى اسقاط الحكومة بدعوى"الثورة مستمرة"...انها حسابات الحقل وحسابات البيدر...اي انهم يسعون جاهدين الى زرع الفوضى (الحقل) فسيحصدون السلطة (البيدر)...اعتقادا منهم في نظرية العنف الثوري الستاليني المواتية للمرحلة .
الاحتقان السياسي والاحتقان الاجتماعي وضبابية الافق :
سار الانتقال الديمقراطي في تونس في مستويات عالية من الاحتقان السياسي والتوتر الاجتماعي .
لقد تمثل الاحتقان السياسي في تصاعد العداء الايديولوجي الموروث بين الاسلاميين والحداثيين من خلال توظيف الفضاءات الاعلامية والنقابية واحتكارها من قبل التيارات اليسارية والنوفمبرية لتهاجم الحكومة والنهضة والتيارات الاسلامية باشد عبارات القدح والذم المليء بالادعاءات الكاذبة ...مساحات من البرامج الحوارية يديرها صحفيون تربوا على يد من علموهم " ان الاسلام دين ارهاب "..."انه لا وجود لاسلاميين معتدلين ...كلهم متطرفون "...اما الضيوف الذين تتم دعوتهم فهم في الغالب من تربوا على ان التسامح هو " منع كل من يبدا كلامه ببسم الله الرحمان الرحيم " ولم يعدلوا موقفهم بعد الثورة ... يضاف الى ذلك اذاعات تشتم وصحف تسب وتزدري صباح مساء...لقد تحوات المنابر الحوارية الى نوع من "القصف الاعلامي العنيف" يستهدف كل ما يتعلق بالتيار الاسلامي ...وبذلك اصبح الشعور السائد لدى انصار التيار الاسلامي بانهم يتعرضون الى قصف اعلامي باسلوب اطلسي ...قصف اعلامي وظف التلفزة الوطنية لتحتفي الساعات الطوال بالاضرابات والاعتصامات ...وكان الثروة التونسية ستأتي من الفراغ والكسل وقطع الطريق والاعتصام وسوء الاخلاق ....احتفالات بالاضرابات الجهوية وحفلات من التحاليل الكيدية السافلة التي لا تعطي للعمل قيمته ولا للوضع الانتقالي التونسي مميزاته ....
فنشأت المحطات التلفزية البديلة كاداة لتعديل الصراع ...وموكول اليها مهمة كشف الاساليب الاعلامية العدائية الصارخة والتي تشكلت في محطات بارزة وهي على سبيل المثال ثلاث :
اولا : تعمد تأخير خبر حفل تاريخي يجسد لاول مرة في تاريخ الجمهورية التونسية التداول السلمي على السلطة وادراجه في المرتبة الرابعة في النشرة الرئيسية للانباء في حين تصدر هذا الخبر اهم المحطات التلفزية في العالم وقد ذكرني بتجاهل التلفزة التونسية للقصف الاسرائيلي لحمام الشط .
ثانيا : تبرير هذا السلوك العدواني المتعمد على الراي العام وعلى الحيادية والمهنية وعلى الذوق السليم وما يخفيه من حقد على التيار الاسلامي ...حيث فسره عضوان في نقابة الصحفيين بان "الحكومة غضبت لان التلفزة لم تخبر عن توليها السلطة " وهو خطاب في منتهى العداوة لكل موضوعية ويتنافى مع المهنية والحرفية ...
ثالثا : في نشرة الانباء ليوم 8/4/2012 كان الضيف عضو الهيئة الوطنية للاعلام ليتحدث عن الشهيد عمران المقدمي فيذكر حركات المقاومة حركة فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ...ويتجاهل الجهاد وحماس ....ثم يعيد الحديث مرة ثانيا متعمدا تغييب حماس والجهاد ويؤكد ان الشهيد لم يذهب للقتال من اجل اسباب ايديولوجية واعادها اكثرمن مرة  ...كان المذيعة والمذيع يتابعان ويخوضان معه ويتماهيان معه دون ان يكلفا نفسيهما عناء التدخل الذي تفترضه الحيادية والموضوعية ...انه خطاب حزبي استئصالي فظيع يطبق ماورد في وثيقة "تجفيف المنابع "التي اعدها نشطاء يساريون استعان بهم حزب التجمع المنحل في نهاية الثمانينيات والتي تشير في احد بنودها الى" ضرورة تشويه التطرف الديني ومحاربته اعلاميا في الداخل والخارج " .
النقابات المهنية :
ان الاتحاد العام التونسي للشغل قام بالدور الاهم في تاطير الاحتجاجات التي مهدت لسقوط النظام ...ودور القيادات الجهوية والوسطى يجب الاعتراف به في مسار الثورة التونسية ...لكن تغير الدور بعد المؤتمر بطبرقة في اواخر ديسمبر 2011
لاحظنا ان النقابات المهنية قد احتكرت الفضاءات النقابية للتيار اليساري بكل تلوياته الماركسية والقومية ووظفتها لخدمة المشروع اليساري متعمدة اساليب اقصائية للمنخرطين وللمناضلين الاسلاميين الذين هم شركاء في المنظمة النقابية ...كما حاولت احتكار التاريخ النقابي التونسي والذي كان عربيا اسلاميا من خلال محمدعلي الحامي والطاهر الحداد والفاضل بن عاشور وفرحات حشاد ...
لقد بلغ التوتر والاحتقان لدى انصار التيار الاسلامي مستوى عاليا ...حيث اقتضى التدافع الاجتماعي الدفاع عن النفس من خلال "الرابطة الوطنية لحماية الثورة " وجمعية الائمة والخطباء" مما حدا بالاتحاد العام الى الغاء الاضراب العام الذي كان مقررا في 13/12/2013
الاغتيال السياسي لشكري بلعيد وبعده الاستراتيجي :
جاء اغتيال السياسي لشكري بلعيد في ظرف لم تبخل فيه الاطراف على التشهير ببعضها واستباحة كل الاساليب لتشويه الآخر ...فمن يقف يقف وراء حادثة الاغتيال ؟
الجواب يكون بيد المحققين طبعا ...ولكن التحليل العقلاني يحيلنا الى الاسباب العميقة التي تدفع جهة ما الى ان تطلق الرصاص بدم بارد وفي وضح النهار على شخص معروف بمعارضته للتيار الاسلامي ومن دعاة "تونس ديمقراطية تقدمية حديثة "وادواته في ذلك العمل السياسي ( حزب الوطنيين الديمقراطيين الوحد/ الجبهة الشعبية ) والاحتجاج النقابي ( انصار الحزب في قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل) والجمعيات الطلابية والنسائية ...انشطة ذات طابع سلمي وان نجحت في اثارة الاحتجاجات ودعم الاضرابات فانه يجدر التذكير بان حزبه لم يحصل سوى على مقعد وحيد في المجلس التاسيسي في انتخابات 23 اكتوبر 2011...وبالتالي فان الدور السياسي للحزب لم يبلغ درجة الانتشار الشعبي المؤملة لكل هيكل سياسي لسبب رئيسي حسب رايي وهو "التصورالسلبي للاحزاب الشيوعية لدى الراي العام التونسي " وهو ما كان وراء حذف عبارة "الشيوعي " من تسمية "حزب العمال الشيوعي التونسي " وحذف عبارة " اليساري " من تسمية "الحزب الاشتراكي اليساري " ...وان كانت بعض عمليات سبر الآراء تعطي تقدما ملحوظا للجبهة الشعبية من 1 في المائة الى 10في المائة فان ذلك يعود اساسا حسب رايي الى " بطء مشاريع التنمية في الجهات " والذي يعود الى الاعتصامات وقطع الطرق...وبذلك جنت التيارات اليسارية ثمرة نشر فوضى خلاقة تقوم على الاحتجاج بعناوين مختلفة...هدفها الرئيسي تعطيل الاداء الحكومي لاسباب انتخابية اولا ...
جاءت حادثة الاغتيال لاسباب استراتيجية بعيدة المدى يمكن تلخيصها في ما يلي :
• تعميق الصراع بين التونسيين وتحويله من صراع برامج واحزاب تحسمه صناديق الاقتراع الى صراع دموي تحتكم فيه الاطراف الى السلاح يدوم عقودا على شاكلة الحرب الاهلية في لبنان( الخلاف الطائفي الديني ) ...او يؤدي الى مئات الآلاف من الضحايا كما في الجزائرخلال التسعينات ( الخلاف السياسي الانتخابي )...
• تعميق الهوة بين التيار العلماني والتيار الاسلامي في تونس ودفع التنافر و التباغض والتنابز الذي ميز مرحلة ما قبل الاغتيال الى الحد الاقصى برسم علامة فاصلة بين الطرفين تفيد باستحالة التعايش على ارض واحدة .
• تاجيج الاحقاد وتغذيتها بالدماء ليصبح المشهد "صراع الكل ضد الكل " حيث يحدث التصدع بين العلمانيين انفسهم وبين الاسلاميين انفسهم وذلك بغرض خلط الاوراق خلطا مزدوجا ومعقدا يصعب بعده "عودة الرشد" الى العقول .
• نسيان هدف كان يوما ما يتحدث عنه التونسيون وهو " انشاء نظام سياسي ديمقراطي يستمد شرعيته من الشعب " وذلك لابقاء الوضع في تونس هشا يسهل التدخل فيه والتاثير على مكوناته وتوجيهه حسب مصالح القوى الاجنبية ...
***************
ان الايادي التي استخدمت الرصاص الحي لاغتيال المناضل السياسي اليساري شكري بلعيد ليست سوى اداة تختفي وراءها اكثر من جهة استخبارية اجنبية ...وهي اقرب الى سيناريو اغتيال الزعيم اللبناني "رفيق الحريري " ...فقد تم توجه الاتهام للنظام السوري والمقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله...كما تم في حالة اغتيال شكري بلعيد توجيه التهمة الى التيار السلامي ممثلا في السلفيين وحركة النهضة ...كما ان التشابه حاصل في حالة تصعيد "سعد الحريري " كزعيم يخلف والده...وبين حالة ابراز صورة ارملة شكري بلعيد السيدة "بسمة الخلفاوي "لتكون الشخصية التي تحمل الإرث  النضالي للشهيد التونسي...كما ان التشابه حاصل ايضا في المناداة بالتدخل الاجنبي باعتبار وجود اقليات في خطر...وكذلك التشابه في الدعوة الى الالتجاء الى القضاء الدولي .
الخاتمة
ان التحديات التي تفرضها المرحلة الحالية بعد ظهور العمليات المسلحة والاغتيال السياسي تهدد باجهاض المرحلة التاسيسية التي يامل التونسيون من خلالها انشاء مؤسسات تضمن التداول السلمي على السلطة من خلال الانتخاب وتصون الحريات الفردية والعامة وتضمن المساواة بين المواطنين امام القانون ...انها مهمة ليست هينة ولكنها تقتضي ان تتحلي الطبقة السياسية بقدر عال من السمو الاخلاقي الذي يجعل المصالح الشخصية والحزبية تتراجع رويدا رويدا لتحل محلها مصلحة الشعب التونسي وضمان حاضر البلاد ومستقبلها .

اسماعيل بوسروال
منتدى المعرفة – سوسة- تونس