الأبعاد الإستراتيجية لاغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد

الأبعاد الإستراتيجية لاغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد مميز
الأبعاد الإستراتيجية لاغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد

مقدمة :
المنطقة العربية تحت حكم سلطات الفرد المطلقة قبل الربيع العربي:
كانت المنطقة العربية ترزح تحت انظمة استبدادية طيلة نصف قرن بعد خروج الاستعمار وفي ظل الدولة الوطنية المستقلة ...لم ينعم خلالها المواطن بالحرية السياسية ولا بالعدالة الاجتماعية ولا بالرفاهية الاقتصادية ...انظمة حاكمة تحولت تدريجيا الى شبكة مصالح وعلاقات ....جاءت ثورات الربيع العربي لتنعش الآمال في قيام انظمة تحترم مواطنيها ...وقد نشرت في الموقع الالكتروني لــ "المركز الديمقراطي العربي " وثيقة تحمل عنوان " حقوق الانسان والمواطن في المنطقة العربية " بتاريخ 08/02/2010 اي قبل الثورة التونسية ببضع اشهر وهي مستمدة من تشخيص الواقع التونسي وكيفية بناء نظام ديمقراطي بديل تحتاجه كل المنطقة العربية نظرا للاوضاع المتشابهة.
الثورة التونسية وعودة الامل :
مثلت الثورة التونسية عودة الامل للتونسيين كي يبنوا دولة يحلو فيها العيش ...لا تمنع فيها الكلمة ولا يسلب فيها الحق ولا يخشى فيها الفرد على نفسه ...وذلك بعد الخيبة الاولى التي اعقبت بدء بناء دولة الاستقلال التي حققت الكثير من النجاحات ولا يمكننا ان نبخس رجالها حقهم لان المسائل نسبية ...ولكنها فشلت فشلا ذريعا في "بناء دولة مؤسسات " تقوم على اساس التداول السلمي على السلطة على قاعدة الانتخاب مع ضمان احترام الرادة الحرة للمواطن في الاختيار ...هذا الفشل طبع العهدين البورقيبي والنوفمبري بهيمنة سلطات الفرد المطلقة على جميع اجهزة الدولة مع تاكيد الفارق بين العهدين في النظافة والنزاهة ازاء المال العام .
النخبة التونسية "المتوجسة " واللحظة الفارقة :
تدرجت الاحداث بعد 14/01/2011 بشكل ادى الى الاتفاق على انتخاب المجلس الوطني التاسيسي ...ويبدو ان المسار يؤكد ما سبق تحليله من ان النخبة المثقفة لم تجد في اجهزة النظام ما يجعلها تعتقد انها ازاء دولة مؤسسات لذا كان مطلب اعتصام القصبة 2 يتركز على انتخاب مجلس تأسيسي ...في حين كان ثلاثة من "دينصورات العهدين السابقين " يعدون وثيقة بعنوان "المجلس الوطني للانقاذ " وهؤلاء الثلاثة هم احمد بن صالح واحمد المستيري ومصطفى الفيلالي ...انهم بحكم التجربة ادركوا ان الثورة نجحت بفضل الحماس وان بناء الدولة يتطلب الحكمة والعقل ...ولكن التيارات السياسية والفكرية لم تول للمقترح اهمية وراحت الاحزاب كل في طريق ...من اجل الفوز في الانتخابات ....
الشرعية الانتخابية: المجلس التأسيسي وتشكيل الحكومة :
مثلت انتخابات 23 اكتوبر 2011 محطة تاريخية فاصلة في الحياة السياسية التونسية لانها اول انتخابات تعددية نزيهة و شفافة بشهادة المراقبين المحليين والدوليين ...وبذلك عبّر المواطنون والمواطنون بملء ارادتهم الحرة – دون ترغيب اوترهيب – عن اختيارهم لممثليهم وفاز حزب حركة النهضة بنسبة 42 بالمائة من مقاعد المجلس التاسيسي...مما اعطى تاكيدا على ما يعلقه الشعب التونسي على التيار الاسلامي من قدرة على بناء دولة وطنية تحفظ كرامة التونسيين بما توفره من تنمية وما تخلص المجتمع من مظاهر الفساد العام التي اجتهد النظام النوفمبري في فرضها على السكان ...
الاطار الجيواسترتيجي للانتقال الديمقراطي في تونس:
تشكلت الحكومة الشرعية منبثقة من رحم المجلس التاسيسي القادم من عمق الارادة الشعبية وكان من المنطقي منذ البداية "تشكيل حكومة وفاق وطني " مثلما تقتضيه طبيعة المرحلة ووفق برنامج متوافق عليه يحوي القواسم المشتركة التي يجمع عليها التونسيون ويتم ترحيل المسائل الخلافية الى فترة قادمة حيث تصاغ القوانين وتأجيل التنافس السياسي والايديولوجي الى مرحلة ما بعد اعداد الدستور وتركيز المؤسسات التي تضمن استمرار الدولة والتداول السلمي على السلطة.
لكن صممت على البقاء في المعرضة احزاب شاركت ورعت "وثيقة 18 اكتوبر2007 "وجمعتها بالتيار الاسلامي مواقف عديدة ...ولكن فرقتها هذه اللحظة ...حيث لم تدرك مختلف الاطراف التي نجحت في الدخول الى المجلس التاسيسي حجم الاخطار المحدقة بالبلاد التونسية داخليا واقليميا ودوليا ...فمن الناحية الاستراتيجية لايمكن تصور اللاموقف لمخابرات دول الحلف الاطلسي (ايطاليا/ فرنسا/ المانيا/ امريكا )وكذلك الموساد الاسرائيلي بالاضافة الى عدم ارتياح الجزائر من ثورات الربيع العربي وايضا انزعاج بعض دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة السعودية والامارات ...ان المرحلة التاسيسية في تونس الثورة كان عليها ان تأخذ بعين الاعتبار كل هذه المحاذير.

التيارات اليسارية والنقابية بين حسابات الحقل وحسابات البيدر :
اما داخليا فلم يكن من المنطقي تصور حلول للمطالب الاجتماعية دون خريطة طريق متفق عليها يتم تناولها مع النقابات والمنظمات ...فلا يمكن مثلا ان تنطلق المشاريع الاقتصادية في مناخ يطغى عليه الصراخ والفوضى والاضطراب ...ولا يمكن توقع نموّ الاستثمارالخاص في ابسط اشكاله واللصوص المجرمون يهجمون على صغار الفلاحين ليسرقوا المواشي في الليل وفي النهار ...ويقطعون اشجار الزيتون بثمارها ...في حين يتولى آخرون قطع الطرقات ومنع المصانع وبالتالي ايقاف شريان الحياة .
تعزز انخرام الوضع الداخلي في تونس بصعود مكتب تنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل يتكون من نقابيين ينتمون الى التيارات اليسارية – باستثناء أربعة - وهو مكتب تنفيذي منتخب بصفة نزيهة وشفافة له الشرعية التي يتمتع بها المجلس التاسيسي والحكومة ...ولكن تصريحات بعض اعضائه كانت ذات طابع حزبي بحت ...وتحول من الدفاع عن حقوق الشغالين الى برنامج الاحزاب الداعية الى اسقاط الحكومة بدعوى"الثورة مستمرة"...انها حسابات الحقل وحسابات البيدر...اي انهم يسعون جاهدين الى زرع الفوضى (الحقل) فسيحصدون السلطة (البيدر)...اعتقادا منهم في نظرية العنف الثوري الستاليني المواتية للمرحلة .
الاحتقان السياسي والاحتقان الاجتماعي وضبابية الافق :
سار الانتقال الديمقراطي في تونس في مستويات عالية من الاحتقان السياسي والتوتر الاجتماعي .
لقد تمثل الاحتقان السياسي في تصاعد العداء الايديولوجي الموروث بين الاسلاميين والحداثيين من خلال توظيف الفضاءات الاعلامية والنقابية واحتكارها من قبل التيارات اليسارية والنوفمبرية لتهاجم الحكومة والنهضة والتيارات الاسلامية باشد عبارات القدح والذم المليء بالادعاءات الكاذبة ...مساحات من البرامج الحوارية يديرها صحفيون تربوا على يد من علموهم " ان الاسلام دين ارهاب "..."انه لا وجود لاسلاميين معتدلين ...كلهم متطرفون "...اما الضيوف الذين تتم دعوتهم فهم في الغالب من تربوا على ان التسامح هو " منع كل من يبدا كلامه ببسم الله الرحمان الرحيم " ولم يعدلوا موقفهم بعد الثورة ... يضاف الى ذلك اذاعات تشتم وصحف تسب وتزدري صباح مساء...لقد تحوات المنابر الحوارية الى نوع من "القصف الاعلامي العنيف" يستهدف كل ما يتعلق بالتيار الاسلامي ...وبذلك اصبح الشعور السائد لدى انصار التيار الاسلامي بانهم يتعرضون الى قصف اعلامي باسلوب اطلسي ...قصف اعلامي وظف التلفزة الوطنية لتحتفي الساعات الطوال بالاضرابات والاعتصامات ...وكان الثروة التونسية ستأتي من الفراغ والكسل وقطع الطريق والاعتصام وسوء الاخلاق ....احتفالات بالاضرابات الجهوية وحفلات من التحاليل الكيدية السافلة التي لا تعطي للعمل قيمته ولا للوضع الانتقالي التونسي مميزاته ....
فنشأت المحطات التلفزية البديلة كاداة لتعديل الصراع ...وموكول اليها مهمة كشف الاساليب الاعلامية العدائية الصارخة والتي تشكلت في محطات بارزة وهي على سبيل المثال ثلاث :
اولا : تعمد تأخير خبر حفل تاريخي يجسد لاول مرة في تاريخ الجمهورية التونسية التداول السلمي على السلطة وادراجه في المرتبة الرابعة في النشرة الرئيسية للانباء في حين تصدر هذا الخبر اهم المحطات التلفزية في العالم وقد ذكرني بتجاهل التلفزة التونسية للقصف الاسرائيلي لحمام الشط .
ثانيا : تبرير هذا السلوك العدواني المتعمد على الراي العام وعلى الحيادية والمهنية وعلى الذوق السليم وما يخفيه من حقد على التيار الاسلامي ...حيث فسره عضوان في نقابة الصحفيين بان "الحكومة غضبت لان التلفزة لم تخبر عن توليها السلطة " وهو خطاب في منتهى العداوة لكل موضوعية ويتنافى مع المهنية والحرفية ...
ثالثا : في نشرة الانباء ليوم 8/4/2012 كان الضيف عضو الهيئة الوطنية للاعلام ليتحدث عن الشهيد عمران المقدمي فيذكر حركات المقاومة حركة فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ...ويتجاهل الجهاد وحماس ....ثم يعيد الحديث مرة ثانيا متعمدا تغييب حماس والجهاد ويؤكد ان الشهيد لم يذهب للقتال من اجل اسباب ايديولوجية واعادها اكثرمن مرة  ...كان المذيعة والمذيع يتابعان ويخوضان معه ويتماهيان معه دون ان يكلفا نفسيهما عناء التدخل الذي تفترضه الحيادية والموضوعية ...انه خطاب حزبي استئصالي فظيع يطبق ماورد في وثيقة "تجفيف المنابع "التي اعدها نشطاء يساريون استعان بهم حزب التجمع المنحل في نهاية الثمانينيات والتي تشير في احد بنودها الى" ضرورة تشويه التطرف الديني ومحاربته اعلاميا في الداخل والخارج " .
النقابات المهنية :
ان الاتحاد العام التونسي للشغل قام بالدور الاهم في تاطير الاحتجاجات التي مهدت لسقوط النظام ...ودور القيادات الجهوية والوسطى يجب الاعتراف به في مسار الثورة التونسية ...لكن تغير الدور بعد المؤتمر بطبرقة في اواخر ديسمبر 2011
لاحظنا ان النقابات المهنية قد احتكرت الفضاءات النقابية للتيار اليساري بكل تلوياته الماركسية والقومية ووظفتها لخدمة المشروع اليساري متعمدة اساليب اقصائية للمنخرطين وللمناضلين الاسلاميين الذين هم شركاء في المنظمة النقابية ...كما حاولت احتكار التاريخ النقابي التونسي والذي كان عربيا اسلاميا من خلال محمدعلي الحامي والطاهر الحداد والفاضل بن عاشور وفرحات حشاد ...
لقد بلغ التوتر والاحتقان لدى انصار التيار الاسلامي مستوى عاليا ...حيث اقتضى التدافع الاجتماعي الدفاع عن النفس من خلال "الرابطة الوطنية لحماية الثورة " وجمعية الائمة والخطباء" مما حدا بالاتحاد العام الى الغاء الاضراب العام الذي كان مقررا في 13/12/2013
الاغتيال السياسي لشكري بلعيد وبعده الاستراتيجي :
جاء اغتيال السياسي لشكري بلعيد في ظرف لم تبخل فيه الاطراف على التشهير ببعضها واستباحة كل الاساليب لتشويه الآخر ...فمن يقف يقف وراء حادثة الاغتيال ؟
الجواب يكون بيد المحققين طبعا ...ولكن التحليل العقلاني يحيلنا الى الاسباب العميقة التي تدفع جهة ما الى ان تطلق الرصاص بدم بارد وفي وضح النهار على شخص معروف بمعارضته للتيار الاسلامي ومن دعاة "تونس ديمقراطية تقدمية حديثة "وادواته في ذلك العمل السياسي ( حزب الوطنيين الديمقراطيين الوحد/ الجبهة الشعبية ) والاحتجاج النقابي ( انصار الحزب في قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل) والجمعيات الطلابية والنسائية ...انشطة ذات طابع سلمي وان نجحت في اثارة الاحتجاجات ودعم الاضرابات فانه يجدر التذكير بان حزبه لم يحصل سوى على مقعد وحيد في المجلس التاسيسي في انتخابات 23 اكتوبر 2011...وبالتالي فان الدور السياسي للحزب لم يبلغ درجة الانتشار الشعبي المؤملة لكل هيكل سياسي لسبب رئيسي حسب رايي وهو "التصورالسلبي للاحزاب الشيوعية لدى الراي العام التونسي " وهو ما كان وراء حذف عبارة "الشيوعي " من تسمية "حزب العمال الشيوعي التونسي " وحذف عبارة " اليساري " من تسمية "الحزب الاشتراكي اليساري " ...وان كانت بعض عمليات سبر الآراء تعطي تقدما ملحوظا للجبهة الشعبية من 1 في المائة الى 10في المائة فان ذلك يعود اساسا حسب رايي الى " بطء مشاريع التنمية في الجهات " والذي يعود الى الاعتصامات وقطع الطرق...وبذلك جنت التيارات اليسارية ثمرة نشر فوضى خلاقة تقوم على الاحتجاج بعناوين مختلفة...هدفها الرئيسي تعطيل الاداء الحكومي لاسباب انتخابية اولا ...
جاءت حادثة الاغتيال لاسباب استراتيجية بعيدة المدى يمكن تلخيصها في ما يلي :
• تعميق الصراع بين التونسيين وتحويله من صراع برامج واحزاب تحسمه صناديق الاقتراع الى صراع دموي تحتكم فيه الاطراف الى السلاح يدوم عقودا على شاكلة الحرب الاهلية في لبنان( الخلاف الطائفي الديني ) ...او يؤدي الى مئات الآلاف من الضحايا كما في الجزائرخلال التسعينات ( الخلاف السياسي الانتخابي )...
• تعميق الهوة بين التيار العلماني والتيار الاسلامي في تونس ودفع التنافر و التباغض والتنابز الذي ميز مرحلة ما قبل الاغتيال الى الحد الاقصى برسم علامة فاصلة بين الطرفين تفيد باستحالة التعايش على ارض واحدة .
• تاجيج الاحقاد وتغذيتها بالدماء ليصبح المشهد "صراع الكل ضد الكل " حيث يحدث التصدع بين العلمانيين انفسهم وبين الاسلاميين انفسهم وذلك بغرض خلط الاوراق خلطا مزدوجا ومعقدا يصعب بعده "عودة الرشد" الى العقول .
• نسيان هدف كان يوما ما يتحدث عنه التونسيون وهو " انشاء نظام سياسي ديمقراطي يستمد شرعيته من الشعب " وذلك لابقاء الوضع في تونس هشا يسهل التدخل فيه والتاثير على مكوناته وتوجيهه حسب مصالح القوى الاجنبية ...
***************
ان الايادي التي استخدمت الرصاص الحي لاغتيال المناضل السياسي اليساري شكري بلعيد ليست سوى اداة تختفي وراءها اكثر من جهة استخبارية اجنبية ...وهي اقرب الى سيناريو اغتيال الزعيم اللبناني "رفيق الحريري " ...فقد تم توجه الاتهام للنظام السوري والمقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله...كما تم في حالة اغتيال شكري بلعيد توجيه التهمة الى التيار السلامي ممثلا في السلفيين وحركة النهضة ...كما ان التشابه حاصل في حالة تصعيد "سعد الحريري " كزعيم يخلف والده...وبين حالة ابراز صورة ارملة شكري بلعيد السيدة "بسمة الخلفاوي "لتكون الشخصية التي تحمل الإرث  النضالي للشهيد التونسي...كما ان التشابه حاصل ايضا في المناداة بالتدخل الاجنبي باعتبار وجود اقليات في خطر...وكذلك التشابه في الدعوة الى الالتجاء الى القضاء الدولي .
الخاتمة
ان التحديات التي تفرضها المرحلة الحالية بعد ظهور العمليات المسلحة والاغتيال السياسي تهدد باجهاض المرحلة التاسيسية التي يامل التونسيون من خلالها انشاء مؤسسات تضمن التداول السلمي على السلطة من خلال الانتخاب وتصون الحريات الفردية والعامة وتضمن المساواة بين المواطنين امام القانون ...انها مهمة ليست هينة ولكنها تقتضي ان تتحلي الطبقة السياسية بقدر عال من السمو الاخلاقي الذي يجعل المصالح الشخصية والحزبية تتراجع رويدا رويدا لتحل محلها مصلحة الشعب التونسي وضمان حاضر البلاد ومستقبلها .

اسماعيل بوسروال
منتدى المعرفة – سوسة- تونس