أدغال الانتقال الديمقراطي في تونس...والخروج من المتاهة



أدغال الانتقال الديمقراطي في تونس...والخروج من المتاهة
مقدمة
تعيش البلاد التونسية في شتاء هذا العام مرحلة دقيقة من الانتقال الديمقراطي اذ القت عملية الاغتيال للمعارض السياسي البارز شكري بلعيد بظلالها على الساحة الوطنية ... حيث استقال رئيس الحكومة بسبب قناعات واستنتاجات حصلت له من خلال ممارسته للسلطة في مرحلة الانتقال الديمقراطي...  وعشت البلاد التونسية اسبوعين كاملين من الانتظار العسير لتشكيل حكومة جديدة...
 تزامن ذلك مع مسيرات في هذا الاتجاه ومسيرات في الاتجاه الآخر ...ومنابر اعلامية تدور فيها حوارات تتضمن معلومات واشاعات وتفاصيل تجعل المشاهد يشك في كل ما يدور في هذا البلاد ...
ان الملاحظات التي يمكن الخروج بها من مرحلة تشكيل حكومة السيد علي العريض ان المنابر الاعلامية على المحطات التلفزية كانت عامل شحن للراي العام من خلال سلوك بدا "ديمقراطيا " ومتحررا " من كل القيود غير مراع للاوضاع الانتقالية التي تمر بها بلادنا وتصرّف وكانه في بلد ترسخت فيه الديمقراطية وتعود الناس على التداول السلمي على السلطة ...في حين ان المواطن التونسي في حاجة الى ان يشعر بالامن وانه في بلد له" دولة " "حكومة " و" قانون " و"مؤسسات ولكنها مؤقتة وانتقالية "...
بناء مؤسسات الدولة ومتطلباته الموضوعية الغائبة
لقد حدثت ثورة في تونس فعلا وسقط نظام والتونسيون بصدد بناء نظام جديد ...لكن هل ان التمشي المنتهج الى حد الآن يؤكد اننا على الطريق لبناء مؤسسات دولة وطنية حديثة على غرار فرنسا اوبريطانيا غربا او على غرارتركيا او ماليزيا شرقا ...مع التوق الى ما هو أفضل ...
وانني رأيت ان اقدّم مفاهيم الفيلسوف الالماني "هيغل " بصياغة تقتضيها عملية النقل البيداغوجي ...اي بعبارات يفهمها اغلب الناس بعيدا عن المصطلحات الفلسفية  المعقدة – دون اخلال بالمعنى الاصلي – واقتصاري على افكار" هبغل " لانها تخدم تحليل الوضعية الحالية كما تبدو لي .
ان بناء مؤسسات الدولة يتطلب اولا مواطنين يحترمون انفسهم ويحترمون القانون ...ذلك ان الدولة كما حددها الفيلسوف الالماني هيغل بانها "المثل الاعلى " الذي ينتجه العقل البشري حيث تحتكر الدولة السلطة والقوة (الجيش – الامن – تطبيق القانون- السجون ...) وبذلك يمر الانسان من مرحلة الحياة الفردية التي تكون فيها السيطرة للغرائز الى مرحلة الحياة الجماعية التي يكون فيها الاحتكام الى العقل اي الاحتكام الى القانون ...اذ ان الانسان الفرد يتم تهذيبه من الحياة الغريزية القائمة على الشهوة والعدوانية  بواسطة "العمل في الجمعيات والمنظمات والاحزاب "( المجتمع المدني ) فيصبح كائنا اجتماعيا يكون له سلوك يستجيب لانتظارات الجماعة التي يعيش فيها  ...ويؤكد "هيغل " ان "العقل البشري " ينتج نظاما يتواضع عليه الافراد ويستنتجونه من نشاطهم في الجمعيات والمنظمات والاحزاب وتتم صياغته في شكل "قانون " لان "القانون " هو نتاج للعقل الانساني ينظم الحياة المدنية وهو انتاج يخلص الفرد من سيطرة الغريزة ويرتقي به  الى تحكيم العقل فيكون سلوكه له تبعات وتأثير في الآخرين وهي "المسؤولية " ...ويعرف "هيغل " الحرية في هذا الصدد بأنها "الامتثال للقانون " ...وتعني بعبارات واضحة ان "الحرية " هي تصرّف شخصي في اطار قانوني... و الفرد يتحمل مسؤولية هذا التصرّف سلبا اوايجابا ...ولعل اهم ما اشير اليه في هذه النقطة ان عدم احترام القانون ينتج عنه عقوبة معلومة سلفا من قبل المواطنين وتلعب العقوبات دورا رادعا  في منع حدوث التجاوزات نظرا لتشربها من قبل المواطنين ورضاهم بها .
ان ما دفعني الى تلخيص نظرية "هيغل " حول الدولة والمجتمع المدني والقانون والحرية والمسؤولية هو ما يلاحظه التونسي  بعد الثورة – وبنظرة موضوعية -  من غياب السلوك المدني المتحضر القائم على احترام القانون الجاري به العمل وذلك من قبل المواطنين بمختلف درجاتهم الثقافية والاجتماعية ...
هل يمارس التونسيون حريتهم على هذا النحو؟
اعتمادا على تعريف "هيغل " بأن الحرية هي "الامتثال للقانون "...و ان عدم احترام القانون له تبعات يتحمل مسؤوليتها من يتجاوز القانون ...وذلك في اطار السلوك الفردي الحر والمسؤول في ذات الحين ...نلاحظ ان اغلب المواطنين التونسيين من عاديين ونخب سياسية واعلامية لم يلتزموا بما يضبطه القانون فقد لاحظنا ما يلي :
ان جولة سريعة في احد الشوارع الرئيسية المكتظة في احدى المدن تسمح للمتأمل ان يلاحظ عدم احترام السائقين لاشارات المرور وقواعد السير...بل من اغرب مظاهر البعد عن التمدن والتحضر و"الحرية والمسؤولية" هو توقف السيارات والشاحنات في وسط الطريق العام وتبادل السائقين السلام والكلام و"وجهات النظر "مع تعطيل حركة المرور وتوتير الاجواء ... اين نحن من تعريف هيغل للحرية باعتبارها "امتثالا للقانون "؟
كما ترى الفوضى العارمة للانتصاب العشوائي للباعة على ابواب المحلات و على المعبّد وحتى في جزء من الطريق العام...بضاعة استمر توريدها بطرق غير قانونية ويتم عرضها بشكل يعطل سير المترجلين ... اين نحن من تعريف هيغل للحرية باعتبارها "امتثالا للقانون "؟
كما ان نظرة سريعة على الاحياء السكنية تسمح بادراك تهافت السكان على البناء العشوائي والفوضوي بما في ذلك اكتساح اراضي الغيراو التعدي على الملك العمومي اواحتلال عمارات الشركات العقارية ........... اين نحن من تعريف هيغل للحرية باعتبارها "امتثالا للقانون "؟
 اما الادارات فحدّث ولا حرج ...تعمل بنسبة حضور لا تتعدى الاربعين في المائة حسب احدى الدراسات المسحية التي اطلعت عليها ...فسواء حضر الموظف اوغادر لم يعد بامكان عديد المديرين ورؤساء المصالح اتخاذ اجراءات تأديبية ضد من لا يحترم قواعد الشغل ...
اين نحن من تعريف هيغل للحرية باعتبارها "امتثالا للقانون "؟
اما ما اشر ت اليه في طالع المقال حول المنابر الاعلامية التي تسعى جاهدة الى مزيد ارباك الاوضاع من خلال الاشاعات احيانا ومن خلال التحامل المقصود احيانا اخرى متجاوزة احيانا احترام المشاهدين ...انها بدت واضحة في انها تعمل خارج السياق السياسي / الاجتماعي التي تعيش فيه ...والمقصود بالسياق السياسي الاجتماعي هو اننا في مرحلة انتقالية وبصدد بناء مؤسسات الدولة من جديد ...فاين نحن من حاجة الوطن الى اعلام  "حر "ومستقل "يخدم مواطنيه ويدعم فيه الثقة في المستقبل حتى نصل الى الانتخابات القادمة ؟...
*********************************
ان مشهدا كما تم توصيفه يدل على ان مسار الانتقال الديمقراطي في تونس انطلق كدرس نظري يلقيه استاذ في احد مدارج الكليات حيث صاغ تدرجا ممتازا من الناحية النظرية يبدأ بأعداد دستور يضمن الفصل بين السلطات ( نظرية منتسكيو في كتابه روح القوانين  ) ويفترض التمشي  شعبا تتوفر له المتطلبات الضرورية من المأكل والملبس والغذاء والامن ...كما انه يفترض محيطا وجوارا مساعدا و ينتظرقوى عالمية يسعدها ان ترى التونسيين يبنون مؤسساتهم على مهل ويحققون ما حققته ماليزيا او كوريا الجنوبية اواليابان ...
كان من الاصل ان تبدأ المراحل كما تبدأ الحياة ...فالاحزاب التونسية لم تتدرب على الحياة الديمقراطية ...وكان من الافضل البدء بمرحلة انتقالية تدوم بضع سنوات كما اقترح حزب المؤتمر ...مرحلة تسمح بتقبل الآخر والتعايش معه ...ويتمكن التونسيون من ادارة حواراتهم ومناقشاتهم بروح المسؤولية النابعة من شعورهم الوطني قبل الحزبي ...
ان مقتضيات الانتقال الديمقراطي الحالي في تونس في مرحلته الحالية تحتاج الى " حكمة السياسيين " في ظل غياب مركز دراسات استراتيجية حول "الامن القومي "...لان الشرط الاساسي لاي انتقال ديمقراطي الآن في بلادنا هو "توافق وطني " حول قيم واهداف مشتركة ورؤية تأخذ بعين الاعتبار خطورة الوضع الاقليمي المتمثل في السلاح العابر للحدود ...والطيران الفرنسي الذي يحلق في الاجواء المحيطة بنا ...وقريبا يُحتمل تحليق الطائرات الامريكية بدون طيار في اجواء المغرب العربي لملاحقة مقاتلي القاعدة على غرار ما يحدث في اليمن ...ان النخبة السياسية التونسية مدعوة الى ان تدرك انها  تسير في ادغال مرحلة انتقالية بالغة التعقيد داخليا واقليميا ودوليا ...وان توفير عوامل النجاح لبناء مؤسسات الدولة مسألة ممكنة اذا ارتقى تفكيرها وأداؤها وسلوكها الى مستوى اللحظة التاريخية .

اسماعيل بوسروال – منتدى المعرفة – سوسة