في البداية
لابد من الاشارة الى ان حرية اتخاذ المواقف امر مشروع لكل الاحزاب السياسية ولا
نملك سوى ان نحترم حقها في ابداء رايها والتعبير عن الموقف الذي تراه يتناسب مع
توجهاتها السياسية والاجتماعية ...ولكن من جهة اخرى نرى انه من حق المواطن ان يعقب
على تلك المواقف والآراء السياسية الصادرة عن احزاب تحمل بدائل تعتقد ان من شانها
ان تسهم في ترقية مستوى عيش المواطن التونسي .
تطالب الجبهة
الشعبية منذ فترة ليست بالقصيرة بإلغاء الديون الخارجية و التحري في مآل القروض في
العهد السابق...موقف يستند الى الانحياز الى المصلحة الوطنية لان المنطق التي بني
عليه هو ان المال الذي اقتراضه لم يتم انفاقه على الشعب التونسي ولم يستفد منه من
تم الاقتراض من اجلهم وبالتالي فمن حق الشعب ان يرفض تسديد هذه القروض الخارجية
...
تبدو هذه
المطالبة منطقية وتندرج في سياق رفض ان يتحمل الشعب التونسي تبعات السياسة الخاطئة
التي انتهجها النظام السابق
ولكن هذه
العملية ليست إجراء بسيطا معزولا لأن لها تبعات اقتصادية حساسة تنتج عنه وهي واضحة
ويمكن لاي انسان عادي ان يتفطن إليها بسبب "تنكردولة "لتعهدات مالية
متفق عليها مع اطراف أخرى ، وهذا الامر يمكن ان يفهمه الناس من خلال المعاملات
الاجتماعية في حالات "عدم الخلاص " وما ينتج عنه من سوء العلاقات ...ومن
التبعات العديدة التي يمكن ان نتصورها في حالة "رفض تسديد الديون " أولا
إمتناع دول أخرى و جهات مالية عن مد تونس بقروض بسبب هذا الإجراء وفي هذه الحال من
أين ستوفر الدولة التونسية الأموال الضرورية للإستيراد وهي أموال مطلوب أن تكون
بالعملة الصعبة لكي تضمن الدولة استمرار استيراد المواد الضرورية للمجتمع وللتنمية
بما فيها المواد ذات العلاقة بالاستثمار وببعث المشاريع...لا يمكن طرح فكرة
"الغاء الديون " معزولة وغير مرفوقة باجراءات كفيلة بتوفير العملة
الصعبة اللازمة للخزينة . .
إن الدول
التي قامت بهذا الإجراء قليلة جدا في التاريخ المعاصر و يمكن أن نذكرمثالا واحدا
لنتبين البون الشاسع بين الشعارات الخادعة والحقيقة الإقتصادية.
قامت
الأرجنتين بهذا الإجراء سنة 2000-2001 ....الأرجنتين بلد هو المصدر الأول للصوجا
في العالم و يمكنه ضخ المزيد من هذه المادة لتمويل الخزينة بالعملة الصعبة و رغم
ذلك شهدت الأرجنتين أزمة سياسية و إجتماعية حادة إذ تعاقب عليها في عام واحد أربعة
رؤساء جمهورية وحالة عدم استقرار سياسية واجتماعية واقتصادية
كما ان
المقترح الخاص بالغاء الديون لا يتطرق الى كيفية القيام بهذا الاجراء وبالتالي
يطرح اكثر من سؤال عن التفاوض مع القوى المالية الدولية (نادي باريس )ام انه اجراء
من جانب واحد يقوم به الطرف التونسي وبالتالي عليه ان يستعد لتحمل النتائج
المترتبة عنه .
و في الحالة التونسية يصدر الإقتراح عن جهة سياسية تجتهد في تشجيع الإعتصامات و الإضطرابات وغلق الطرق ومنع نقل الفسفاط و تعطيل والمعامل و "اعتماد الاضرابات والاعتصامات "اسلوبا لاسقاط الحكومة دون الوصول الى "نتخابات ".
و في الحالة التونسية يصدر الإقتراح عن جهة سياسية تجتهد في تشجيع الإعتصامات و الإضطرابات وغلق الطرق ومنع نقل الفسفاط و تعطيل والمعامل و "اعتماد الاضرابات والاعتصامات "اسلوبا لاسقاط الحكومة دون الوصول الى "نتخابات ".
ان اضعاف
مداخيل الدولة من العملة الصعبة المتاتية من التصدير القائم في بلادنا على التصدير
والسياحة يتناقض مع الدعوة الى الغاء الديون ...فكيف تحصل الدولة على العملة في
حالتي "وقف الاقتراض ووقف التصدير .....فمن أين ستتكون ميزانية الدولة في هذه
الحالة ؟و كيف يتم الإستيراد إذا توقفت القروض و تعطل الإنتاج و منعت قوى فوضوية
تصدير المواد الأولية كالفسفاط الذي يمثل أهم ثروات البلاد؟
و كيف يتم
الإستيراد إذا توقفت القروض من جهة و تعطلت المصانع عن طريق الاضرابات وقطعت السكك
الحديدية وتوقف الانتاج في المصانع ؟
ان هذا
المطلب الملح الذي رفعته الجبهة الشعبية منذ امد بعيد يفتقر الى ان يكوّن حلا
متكاملا للوضعية الاقتصادية لانه لا يجيب عن سؤال رئيسي :كيف يتم توفير العملة
الصعبة التي تحتاجها البلاد ؟ وكان من الممكن ان تكتمل الصورة باجراءات مرافقة تهم
توفير البدائل الحقيقية لتوفير ما تحتاجه الدولة التونسية وهي الانكباب على العمل
وبذل الجهد وخلق الثروة بمزيد الاستثمار في الفلاحة والصناعة ...
إن الإجراءات
القابلة للتطبيق والتي من شانها أن توفر موارد هامة للدولة التونسية وتساعد على
بعث مواطن الشغل وعلى تحسين الوضع العام بالبلاد هي الإسراع باسترجاع الأموال
المنهوبة وبذل الجهد لاستخراج الثروة الوطنية وتوفير مناخ الاستثمار اما قضية
الغاء الديون فتبقى امرا ممكنا يتم التفاوض في شأنه مع الدول المانعة للاتفاق معها
حول صيغ مناسبة للوضع التونسي منها مثلا "تحويل القروض الى استثمار" مثل
ماحدث فعلا مع المانيا
.. ومن جهة
أخرى لا يمكن ان نتصور حلا تقوم به الحكومة التونسية من جانب واحد ولا يشارك في
انجاحه مجموع الشعب التونسي حيث يتم يتحم الوصول الى اتفاق على جميع النقاط
العالقة فتكون الاولوية لما ينعكس ايجابا على الاقتصاد وعلى المجتمع فتخف وطأة
الفوضى في المؤسسات الادارية لينصرف التونسيون الى كل ما يخلق ثروة وينمي موارد
ويحسّن ظروف عيش ويحدث مواطن شغل و حتى يتطور الأداء في كل موقع انتاج وهي عناصر
غابت من المقترح الذي يدعو الحكومة الى الامتناع عن تسديد الدين الخارجي ويقف
عندها وكانه اجراء سحري .
