نصّ المؤرّخ ابن عذاري المرّاكشي في كتابه « البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب » *(1)
1- لمّا دخل حسّان بن النّعمان القيروان سأل أهل افريقيّة من أعظم الملوك بها قدرا ؟ فقالوا:« صاحب قرطاجنّة دار ملك افريقيّة » . فسار حسّان حتّى نزل عليها و كان بها من الرّوم خلق لا يحصى كثرة, فخرجوا إليه مع ملكهم، فقاتلهم حسّان حتّى هزمهم، ثمّ نازل قرطاجنّة حتّى افتتحها وهي كانت دار الملك بافريقيّة. فلمّا دخلها اجتمع رأي من بقي بها من الرّوم على الفرار منها، فمنهم من مضى ﺇلى صقلّية و منهم من مضى ﺇلى الأندلس...
2- ولمّـا عاد حسّـان إلى القيروان أراح بها أيّــاما ثمّ سأل أهلهــا عمّن بقي من أعظم ملوك افريقيّة ليسير إليه فيبيده أو يسلم، فدلّوه على امرأة بجبل أوراس يقال لها الكاهنة، وجميع من بإفريقيّة من الرّوم منها خائفون، وجميع البربر لها مطيعون، فإنّ قتلها دان له المغرب كلّه ولم يبق له مضادّ ولا معاند...
3-وكانت الكاهنة،لمّا اسرت ثمانين رجلا من أصحاب حسان ،أحسنت إليهم، وأرسلت بهم الى حسان، وحبست عندها أجشع الفرسان خالد بن يزيد،فأرضعته مع ولديها دقيق الشعير على ثدييها وقالت« قد صرتم اخوة».
4-توجّــه حسّــان بجيوشــه إلى الكاهنــة ونازلها غير أنّــها هزمته ومن معه من المسلمين، وقتلت من جنده الكثير وأسرت منهم ثمانين رجلا، واتّبعته حتّى أخرجته من أرض إفريقيّــة وملكت المغرب كلّــه خمس سنين قضّــاها حسّــان في طرابلس.
5-أمّــا الكاهنة فلمّـا رأت إبطاء العرب عنها قالت للبربر:« إنّ العرب إنّما يطلبون من إفريقيّة المدائن والذّهب والفضّة، ونحن إنّما نريد منها المزارع والمراعي، فلا نرى لكم إلاّ خراب بلاد إفريقيّة كلّها حتّى ييأس منها العرب، فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدّهر» فوجّهت قومها إلى كلّ ناحيّة يقطعون الشّجر ويهدمون الحصون ...
6رجعت الكاهنة- ثمّ إنّ حسّــانا عاد إلى إفريقيّة لمحاربة الكاهنة بجيش كبير. خرجت الكاهنة ناشرة شعرها لملاقاة حسّــان مصمّمة على المقاومة، والتحم القتال واشتدّ الحرب والنّزال، فانهزمت الكاهنة واتّبعها حسّــان حتّى قتلها
7-أسلم البربر على أيدي حسان فعقد لولدي الكاهنة(قيادة) ستة آلاف فارس يجولون في المغرب ، ثم إنّ حسّانا كتب على عجم افريقية(عهدا)لمن بقي منهم على النصرانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-المراكشي ،ابن عذاري،البين المغرب في أخبار الأندلس والمغرب،،الجزء الأول،من ص 24الى29،الدار العربية للكتاب،الطبعة الثالثة،تونس1985.
نص عبد الرحمان بن خلدون من كتاب "العبر..."(1)
1- سأل حسّان عن أعظم ملوك البربر فدلّوه على الكاهنة وقومها جراوة فمضى إليها حتّى نزل وادي مسكيانة،وزحفت إليه فاقتتلوا قتالا شديدا،ثم انهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير،وأسر خالد بن يزيد القيسي.ولم تزل الكاهنة والبربر في اتباع حسّان
والعرب حتّى أخرجوهم من عمل قابس، ولحق حسّان بعمل طرابلس.
2-رجعت الكاهنة الى مكانها ،واتخذت عهدا عند أسيرها خالد بالرضاع مع ابنيها.وأقامت في سلطان افريقية والبربر خمس سنين، وخرّبت الكاهنة جميع المدن والضياع وكانت من طرابلس الى طنجة ظلا واحدا في قرى متصلة.
3-وزحف اليها حسّان في جموعها من البربرفانهزموا وقتلت الكاهنة واستأمن اليه البربر على الاسلام والطاعة وعلى أن يكون اثنا عشر الفا منهم مجاهدين معه فأجابوا وأسلموا وحسن اسلامهم وعقد للأكبر من ولد الكاهنة على قومهم من جراوة.
4-ثم انصرف حسّان الى القيروان فدوّن الدّواوين وصالح من ألقى بيده (السلاح )من البربر،وكتب الخراج على من أقام على النّصرانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-ابن خلدون،عبدالرحمان،كتاب العبر وديوان المبتدا والخبرفي أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر،القسم الاول،المجلد السادس،منشورات الكتاب اللبناني للطباعة والنشر،بيروت،1959.
نص حسن حسني عبد الوهاب من كتاب "شهيرات التونسيات".(1)
1-الكاهنة هي دهيا بنت تابتت بنت تيفان ، نشأت في قبيلة جراوة بجبال الأوراس أعدّت جندا لمقاومة العرب الفاتحين.تتظاهر بمعرفة الغيب والاطلاع على أسرار النّفوس ولهذا السّبب لقّبها العرب بـــ( الكاهنة البربرية).
لمّا غزا حسّان بن النّعمان افريقية واستولى على قرطاجنة ملجإ الروم،عزم على تبديد أمر البربرفخرج الى الكاهنة بجيوشه، وبعد بلاء عظيم انهزم حسّان وقتل من العرب خلق كثير وأسرت الكاهنة جماعة منهم خالد بن يزيد القيسي وكان شجاعا مذكورا فتبنّته بالرّضاع مع ولديها.
. فارق حسّان افريقية حتى خرج من حد قابس وترك الأمر للبربر.
2-أقام حسّان بطرابلس خمس سنوات ينتظر المدد من عبد الملك بن مروان وحكمت الكاهنة خلال تلك المدّة افريقية كلّها .
لمّا علمت الكاهنة بما عزم عليه حسّان جمعت رجالها من بربر وروم وأفارقة وقالت لهم:
«يا قوم،ان العرب يطلبون من افريقية المدائن والذهب والفضة ونحن انما نريد المزارع والمراعي، ولا أرىلكم نجاة الا بتدمير البلاد وطمس ملامحها فاندفع البربر يقطعون الاشجار ويخرّبون الديارويدمّرون القرى والمداشرحتى أصبح عمرانها أثرا بعد عين وقد كانت افريقية ظلا واحدا ممتدا من طرابلس الى بونة.
3-جهّز حسّان عساكره وتقدّم لملاقاة البربر،فخرجت الكاهنة ناشرة شعرها وهي تقول:«انظروا ماذا ترون في السّماء؟»
قالوا:«نرى شيئا من السحاب الأحمر.»
قالت:«لا،وحقّ الاهي،إنّما هو رهج خيل العرب أقبلت اليكم!»
ثم التفتت الى خالد بن يزيد القيسي وقالت له:«انما اتخذت ولدا لمثل هذا اليوم، انما أنا مقتولة.»
قال لها خالد:«فإذا كان الأمر كذلك فارحلي وخلّي البلاد!»
قالت له الكاهنة :«كيف أفرّ وأنا ملكة؟ والملوك لا تفرّ من الموت،فأقلّد قومي عارا إلى آخر الدّهر!»
4-تقدّم حسّان على أعنّة الخيلوالتقى الجمعان بالجم وقد اتخذت الكاهنة القصر الروماني هناك حصنا لرجالها ،فتكافح الفريقان وتجالد الجيشان حتى ظنّوا أنّه الفناء فانهزمت الكاهنة وقتلت عند بئر سمّاها النّاس (بئر الكاهنة).
5-امّا الكاهنة فإنها ماتت كما يموت الأحراربعد أن خلّدت في تاريخ هذا القطر ذكر الأبطال،فما أجمل وأبهى ما انتهى اليه أمر هذه الصنديدة التونسية.أمّا العرب فقد أحسنوا معاملة من كانوا مع الكاهنة،أمّا حسّان فقدعقد لولدي الكاهنة كل ّواحد منهما على ستة آلاف فارس وبذلك حسنت طاعتهم وخضعوا للدين القويم وصاروا له أنصارا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-حسني،حسن عبد الوهاب،شهيرات التونسيات،من ص18إلىص21،الطبعة الثانية،منشورات مكتبة المنار،تونس،1985.
نص شارل اندريه جيليان (1)
بادر حسّان بن النّعمان بتوخي طرق جديدة فبدأ بازالة الخطر البيزنطي عند استيلائه على قرطاج سنة
وهي وقومها على دين اليهود.
قليلون هم الأبطال الأفارقة مثل هذه "الدبّورة البربرية"،ورغم أنّ أنّ النّساء في افريقية قمن بدور مرموق في مناسبات عديدة غير أن ّواحدة منهنّ لم تبلغ شأن
الكاهنة التي جمعت كلمة البربر وهزمت الجيش العربي ودحرته الى طرابلس.
الا أنّ الكاهنة التي حكمت بلاد المغرب خلال خمس سنوات أرادت قطع خط الرّجعة على العرب فأمرت بتخريب البلاد حيث لم يبق ماثلا لاالشجر ولا الأسوار.
أعدّ حسّان جيشا عظيما أمكن له به أن يشنّ هجوما جديدا، فخاضت الملكة - وقد تقدّمت بها السنّ- معركة ميؤوسا منها فقتلت وبموتها انتهت فترة الدّفاع البطولي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-اندريه جيليان،شارل،تاريخ افريقيا الشمالية،من ص24الى ص30،الدار التونسية للنشر،تونس 1983.